This Article examines whether Palestine’s existing legislative and institutional framework adequately responds to the needs of micro, small and medium-sized enterprises (MSMEs), given the multiple laws, institutions and support programs currently governing different aspects of the sector in the absence of a dedicated legislative framework. It explores key challenges relating to access to finance, capacity building, transition into the formal economy, and institutional coordination, while drawing comparative lessons from Egypt’s experience. At its core, the article asks whether it is time for Palestine to move from fragmented support mechanisms and policies toward a dedicated MSME law tailored to the nature, size, and different stages of growth of these enterprises.
من التمكين المتناثر إلى التكامل التشريعي: هل تحتاج فلسطين إلى قانون للمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة؟
المحامية رند أبو فرحة
تشكّل المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة جزءاً أساسياً من النشاط الاقتصادي في فلسطين، وتستوعب نسبة كبيرة من القوى العاملة، ما يجعل استدامتها ونموها مسألة تتجاوز حدود الدعم الاقتصادي لتصبح جزءاً من البيئة التشريعية الناظمة للنشاط الاقتصادي. ومع ذلك، فإن التحدي لا يتمثل في غياب القوانين أو المؤسسات التي تتعامل مع هذه المشروعات، بل في أن معظم القواعد القائمة تنظم جوانب مختلفة من نشاطها ضمن أطر قانونية متفرقة، دون قانون خاص يراعي طبيعتها وحجمها واحتياجاتها خلال مراحل نموها المختلفة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى النظر في مدى ملاءمة الإطار التشريعي القائم لطبيعة هذه المشروعات واحتياجاتها، وما إذا كان قانون خاص يمكن أن يوفر تنظيماً أكثر ملاءمة، من خلال أحكام تتناول التمويل والضمانات، والحوافز الضريبية، وتبسيط التسجيل والامتثال، وبناء القدرات، ودعم انتقال المشروعات إلى الاقتصاد الرسمي.
ماذا يوجد فعلاً في فلسطين؟
فلسطين ليست خالية من تعريف أو تصنيف للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. إذ اعتمد مجلس الوزراء عام 2021 تعريفاً وطنياً يقوم على عدد العاملين والإيرادات معاً، ويقسّم المنشآت إلى خمس فئات: متناهية الصغر، وصغيرة جداً، وصغيرة، ومتوسطة، وكبيرة، بحسب ما تشير إليه وزارة الاقتصاد الوطني وبوابة "منشآتي". كما تتوافر أدوات مؤسسية متعددة: استراتيجية وطنية للمنشآت الصغيرة تشرف عليها وزارة الاقتصاد الوطني، وقانون لتشجيع الاستثمار، وقانون ينظم المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي، وصندوق فلسطيني للتشغيل والحماية الاجتماعية، ومنصة "منشآتي" للدعم الفني وتسهيل التمويل، إلى جانب سياسات تصدرها سلطة النقد ومؤسسات التمويل الأصغر.
السؤال إذن ليس هل توجد قوانين تحكم هذا القطاع، بل هل تراعي هذه القوانين حجمه وقدرته على الامتثال؟ وهل تعمل معاً ضمن تعريف وتصنيف ومرجعية قانونية موحدة، تتيح للمشروعات الصغيرة الانتقال بسهولة إلى الاقتصاد الرسمي، والاستفادة من الحوافز والخدمات الحكومية، والوصول إلى التمويل والضمانات والبرامج الداعمة، بما يعزز قدرتها على النمو والاستدامة والمساهمة في الاقتصاد الوطني؟
أين تكمن التحديات الحقيقية؟
- صعوبة الوصول إلى التمويل. إن الاعتماد على المنح وحاضنات الأعمال، مقارنة بالتمويل الرسمي، يكشف عن مسافة بين احتياجات المشروعات الصغيرة وأدوات التمويل المتاحة لها وذلك ما أظهرته دراسة بعنوان " معوقات الوصول إلى التمويل للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في فلسطين". ولا تكمن المشكلة هنا في حجم التمويل فحسب، وإنما في صعوبة ملاءمة شروطه وأدواته لطبيعة هذه المشروعات وقدرتها على تقديم الضمانات والوفاء بمتطلبات القطاع المالي الرسمي.
- تنمية القدرات. لا يقتصر احتياج المشروعات على رأس المال؛ فالقدرة على الإدارة والتسويق والتوسع جزء أساسي من قدرتها على الاستمرار، ما يطرح تساؤلاً حول مدى وجود مسار منتظم يربط بناء القدرات باحتياجات المنشآت ومراحل نموها، بدلاً من بقائه مرتبطاً بمبادرات وبرامج متفرقة.
- صعوبة الاندماج في الاقتصاد الرسمي. ترتبط مشكلات التمويل وبناء القدرات أيضاً بقدرة المشروعات على الانتقال إلى القنوات الرسمية والاستفادة من الخدمات المرتبطة بها. فكلما ارتفعت كلفة التسجيل والامتثال، وتعقدت الإجراءات، وضعفت الحوافز المرتبطة بالرسمية، أصبح الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي أكثر صعوبة بالنسبة للمشروع الصغير.
- فجوة التنسيق المؤسسي، تعيدنا إلى جوهر الإشكال: تتوزع مسؤولية دعم هذا القطاع في فلسطين على جهات متعددة، منها وزارة الاقتصاد الوطني، وسلطة النقد، ومؤسسات التمويل الأصغر، والصندوق الفلسطيني للتشغيل، والمؤسسة الوطنية للتمكين الاقتصادي، دون قانون خاص ينظم أدوار هذه الجهات واختصاصاتها في مجال دعم المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة.
لماذا لا يكفي التنسيق الإداري أو الاستراتيجيات المتفرقة؟
إن جزءاً كبيراً من أدوات دعم المشروعات يقوم على سياسات واستراتيجيات وبرامج تنفيذية قابلة للتعديل إدارياً، وليس على التزامات قانونية تنشئ حقوقاً وضمانات واضحة وقابلة للإنفاذ، وهو ما يحد من مستوى اليقين القانوني الذي يحتاجه المستثمر وصاحب المشروع.
ورغم أهمية التنسيق الإداري في توحيد الجهود وتحسين الخدمات، إلا أنه لا يعالج الإشكال الأوسع المتمثل في غياب قانون خاص ينظم هذه المجالات ضمن مرجعية واحدة وينظم آليات التنسيق وتقديم الخدمات والبرامج، بما يضمن وضوح الجهة المسؤولة أمام أصحاب المشروعات ويعزز فاعلية الدعم المقدم لهم.
فالمشروع، خلال دورة حياته، يتعامل مع منظومة متداخلة من التسجيل والترخيص والضرائب والعمل والتمويل والاستثمار، الأمر الذي يجعل تشتت القواعد والإجراءات بين التشريعات والجهات المختلفة عائقاً أمام وضوح المتطلبات وسهولة الامتثال والاستفادة من الحوافز والدعم.
وهذا بالضبط ما تقدّمه التجربة المقارنة إجابة عملية عنه: كيف يمكن لقانون خاص أن يحوّل هذا التشتت إلى منظومة موحدة دون أن يلغي الأدوار القائمة.
التجربة المصرية: دروس وحدود، لا نموذج مكتمل
القانون المصري رقم 152 لسنة 2020 بشأن تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر لم يبدأ من فراغ، لكنه أعاد تأطير المشهد المؤسسي للقطاع ضمن ثلاثة مستويات متكاملة:
- على المستوى المؤسسي: لم يُنشئ القانون جهاز تنمية المشروعات من العدم، إذ كان قائماً كذراع تنفيذية للمنظومة، لكنه أعاد تأطير وضعه القانوني، ومنحه شخصية اعتبارية بوصفه صندوقاً ذا طبيعة خاصة، وحدد اختصاصاته وأدواته ضمن إطار تشريعي موحد. وبذلك حوّل جهة قائمة إلى مرجعية تشريعية جامعة، بدلاً من بقائها قائمة على قرارات إدارية متفرقة.
- على مستوى التنسيق: جعل القانون الجهاز نقطة الاتصال المركزية لصاحب المشروع، دون أن يكون الجهة الوحيدة التي يتعامل معها. فقد أبقى على اختصاص «الجهة المختصة قانوناً» في مسائل الترخيص والإيقاف والغلق، مع تنظيم التنسيق بينها وبين الجهاز وإخطاره قبل اتخاذ بعض هذه الإجراءات. وهكذا لم يُلغِ الجهات الأخرى، بل وضع الجهاز في موقع تنسيقي مركزي يحد من تشتت صاحب المشروع بين المؤسسات المختلفة.
- على مستوى التمويل والضرائب: منح القانون الجهاز صلاحية تقديم التمويل الميسر، والتعامل مع شركات ضمان مخاطر الائتمان، وتمويل حاضنات ومسرعات الأعمال، إلى جانب إقرار معاملة ضريبية مبسطة ومتناسبة مع حجم النشاط، بما يخفف الأعباء والإجراءات على المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.
والمبدأ الذي يستحق النقل إلى الحالة الفلسطينية ليس تفاصيل هذه الأدوات، بل الفكرة التي تجمعها: أن التنسيق المؤسسي الحقيقي يحتاج إلى قانون خاص يمنح الجهة المعنية سنداً تشريعياً واضحاً، واختصاصات محددة، ومظلة موحدة. وحين تتشابك القيود القانونية والمالية والإدارية، يصبح هذا النوع من التشريع ضرورة تنظيمية، لا مجرد خيار إصلاحي.
الخلاصة
هنالك حاجة في فلسطين إلى قانون خاص بالمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، لأن المشكلة لا تكمن في غياب القوانين أو المؤسسات أو برامج الدعم، بل في غياب قانون خاص ينظم هذه المشروعات ويضع لها قواعد تتناسب مع طبيعتها وحجمها ودورة حياتها. فالمستثمر لا يتعامل مع التشريعات كقوانين منفصلة؛ يبدأ بفكرة وتأسيس، ثم يحتاج إلى التسجيل والترخيص، والانتقال إلى الاقتصاد الرسمي، والوصول إلى التمويل والضمانات، والالتزام بالضرائب، ثم التوسع والاستثمار والوصول إلى الأسواق والمشتريات الحكومية. وفي كل مرحلة، يحتاج إلى قواعد واضحة، وإجراءات متناسبة، وحوافز يمكن التنبؤ بها، وجهة يعرف أنها مسؤولة عن مساعدته وتوجيهه.
PDF Article Available in Arabic